أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

305

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« أينقص الرّطب إذا جفّ ؟ فقالوا : نعم ، فقال : فلا إذا « 1 » إنّ « إنما » هذه هي « إِذاً » الظرفية ، قال : كالتي في قوله تعالى : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ فحذفت الجملة ، وذكره إلى آخره ، وكنت لما رأيته تعجبت غاية العجب ، كيف يصدر هذا منه ؟ حتى رأيته في كتاب الشيخ في هذا الموضع عن بعضهم . ولم يسمه فذهب تعجبي منه ، فإن لم يكن ذلك القائل القرافي فقد صار له في المسألة سلف ، وإلا فقد اتحد الأصل ، والظاهر أنه غيره ، وقوله : « إِنَّكُمْ » هو جواب القسم الموطأ له باللام . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما جواب القسم الذي وطأته اللام « في قوله : « لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً » وجواب الشرط » ؟ قلت : قوله : « إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ » ساد مسدّ الجوابين . قال الشيخ « 2 » : « والذي قاله النحويون : إنّ جواب الشرط محذوف ، لدلالة جواب القسم عليه ، ولذلك وجب مضي فعل الشرط ، فإن عنى بأنه سادّ مسدّهما : أنه اجتزىء بذكره عن ذكر جواب الشرط ، فهو قريب ، وإن عنى من حيث الصناعة النحوية ، فليس كما زعم ، لأن الجملة يمتنع ألّا يكون لها محل من الإعراب ، وأن يكون لها محل من الإعراب » . قلت : قد تقدمت هذه المسألة مرارا ، واعتراض الشيخ عليه ، وتقدم الجواب عنه ، فلا أعيده اكتفاء بما تقدم . ويعني الشيخ بقوله : لأن الجملة يمتنع ألّا يكون لها محل من الإعراب إلى آخره : « أنها من حيث كونها جوابا للشرط يستدعى أن يكون لها محل من الإعراب ، وهو الجزم ، ومن حيث كونها جوابا للقسم يستدعى ألا يكون لها محل ، إذ الجملة التي هي جواب القسم لا محل لها ، لأنها من الجمل المستأنفة المبتدأ بها ، وقد تقرر أن الجملة الابتدائية لا محل لها . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 92 إلى 96 ] الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ( 92 ) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ( 93 ) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً . فيه خمسة أوجه : أحدها : أن هذا الموصول في محل رفع بالابتداء ، وخبره الجملة التشبيهية بعده . قال الزمخشري : « وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص ، كأنه قيل : الذين كذّبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا ، كأن لم يقيموا في دارهم ، لأن الذين اتّبعوا شعيبا ، قد أنجاهم اللّه تعالى » . قلت : قوله : « يفيد الاختصاص » هو معنى قول

--> ( 1 ) أخرجه مالك في الموطأ ( 2 / 624 ) كتاب البيوع والشافعي في ترتيب المسند ( 2 / 159 ) ، وأبو داود ( 3 / 654 ) ( 3359 ) ، والترمذي ( 3 / 528 ) ، كتاب البيوع ( 1225 ) ، وقال حسن صحيح . ( 2 ) انظر البحر المحيط 4 / 345 .